نصر حامد أبو زيد
199
الاتجاه العقلي في التفسير
الآيات التي يستدل بها الخصوم . وتلتقي فكرة أن « لن » موضوعة للتأبيد ، مع فكرة التبعيد المتضمنة في الشرط في الآية ، ليستدل بهما المعتزلة على أن رؤية اللّه مستحيلة . ولكن خصوم المعتزلة يرون في هذه الآيات رأيا آخر . فهم يسلمون بجواز الرؤية على اللّه ، لكنهم لا يرونها جائزة في هذه الحياة الدنيا ، ويكون الأمر أنها لم تحدث لأن موسى طلبها في غير أوانها ولهذا تاب موسى من ربه على ذلك وتبرأ من سفاهة قومه . وتوبته وتبرؤه من طلب الرؤية « ليس لأنها غير جائزة على اللّه ولكن اللّه تعالى أخبره أنها لا تقع في دار الدنيا والخبر صدق » 195 . وإذا كان المعتزلة قد اعتمدوا على فكرتي أن « لن » موضوعة للتأبيد ، وأن الشرط في الآية هو على طريقة التبعيد المعروفة في مذاهب العرب ، وذلك لكي يؤكدوا استحالة الرؤية على اللّه استحالة مطلقة ، فما زال أمامهم سؤال موسى نفسه اللّه بقوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وهو سؤال يتناقض مع معرفة موسى العقلية بعدل اللّه وتوحيده مما يقدح في عصمته كنبي . وهذا التناقض حلّه أبو الهذيل وأبو علي الجبائي بتأويل النظر في الآية على أنه المعرفة كما سبقت الإشارة . وهذا التأويل معناه أن الآية من المتشابه ، ولكن القاضي عبد الجبار شاء أن يحوّل الآية إلى دليل للمعتزلة ، ومن ثم وجد نفسه مضطرا إلى رفض تأويل مشايخه ، وأخذ الآية على ظاهرها بأن موسى طلب الرؤية . والأساس الذي يستند إليه عبد الجبار أن « النظر » إذا عدي بحرف الجر « إلى » لم يحتمل إلّا النظر ، ولا يحتمل المعرفة . يقول : « إن الرؤية إذا قرن إليها النظر وعداه بإلى فالمراد به الرؤية بالبصر . وقد قال سبحانه رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فلما قرنه بالنظر وعدّاه بإلى وجب حمل ظاهره على الرؤية بالبصر ، لأنه لا يصح أن يكون المراد بهذا النظر والفكر ، لأنه لا يقال في نظر الفكر ينظر إليه على الحقيقة ، وإنما يقال ينظر فيه . وقد ورد الكتاب بما يدل على ذلك : فقال سبحانه : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ وقال تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ومتى قرن بالرؤية ذكر الجهرة ، فالمراد به رؤية البصر . وذلك يدل على أن موسى صلى اللّه عليه إنما سأل الرؤية ، ومتى حمل سؤاله على هذا الوجه أمكن حمل قوله ( أنظر إليك ) ، على ظاهره ومتى حمل على أن المراد به العلم احتيج إلى حذف الآيات في الكلام ، فيصير في التقدير كأنه قال : رب أرني أنظر إلى الآيات التي عندها أعرفك ضرورة من غير أن يدل الظاهر عليه » 196 وإذا أخذت الآية على ظاهرها بأن موسى طلب رؤية اللّه حقا ، فكيف يتأتّى منه هذا الطلب وهو النبي المعصوم الذي يجب أن يعرف بعقله